الصفحة الرئيسية

zaila.com le site web des zaîlachis du monde Contact : abdes@zaila.com Oeuvre réalisée par ABDESLAM CH’OUIAKH

عيون من بنزرت

النرجسة والغدير

par Ben Slimane Basma

 

لم تكن كطائفة النرجس مولعة بالتّأمل في وجهها على صفحة الماء رغم أنّها لا تبعد في مستقّرها عن الغدير إلا بضع بوصات 

كانت داكنة الحزن ككل الزهرات الزّرق ،رقيقة لا تقوى على الاستقامة أوان الريح ،ناعمة في ملمسها كالحرير ، لامعة كالضياء

ولكنها ترزح تحت كآبة فطرية تضفي عليها تكتما وغموضا ..لم تكن تنتعش لمرأى شيء سوى ذلك الصبي العابث قربها البريء في عبثه لدرجة أنه لم يفكر يوما في قطفها أو اقتلاعها من الأديم الذي التصقت به   والتحمت بطينه

كان يسعد  لمجرد مرآها ولم يطمع في أكثر من ذلك.بل  إنه في أحيان كثيرة يناجيها وكأنه يعرف أنها تفهم لغته وتفقه  معاني  كلماته كان يقول لها بين الحين والحين :كم أنت جميلة! ألا تنظرين إلى وجهك  في المرأة الصقيلة حينا المتعرجة أحيانا؟..مالذي يحزنك؟ لا تليق بك الكآبه..أحبي نفسك فأنت جديرة بالمحبة ..اهتمي بتفاصيل حركتك انسجمي مع النسيم وداعبي النور فهو قبس من روحك..ارقصي على وقع تغريد البلبل  إن كنت عاجزة عن الركض ..استمتعي بالنسيم وهو يلامس حرير خدك...اعتصمي بالابتسام حتى وإن اشتدت العاصفة فهي أضعف من رقتك لا تقوى على مقاومتها..كانت تستقبل تموجات صوته الأثيرية وتعجز عن تفكيك شفرتها فهي من عالم النبت ..صحيح أنها كائن حي ولكنها ليست كائنا ناطقا من زمرة العقلاء.. لم تكن تعقل إلا الألم..لم تكن تصغي إلا للعاصفة فتستكين خشوعا.. ومع ذلك فهي تسعد لمرآه سعادة البراعم وهي تستقبل قطر الندى..

 

وها أن الأيام تمضي والصبي يختفي عن عالمها البسيط ..مرت أيام ولم يمرّ بجانبها كعادته ..ولم يتأملها مناجيا ..ولم يقترب منها صامتا..ولم يصرخ محتجا على غبائها وذهولها ورفضها التعامل مع الماء ..وظلت عاجزة عن فهم هذا الغياب أو تفسير أسبابه ..واشتدت كآبتها الزرقاء..ولعل وقع الغياب كان مؤلما لدرجة جعلتها تسترجع صدى صوته وتسعى لتفكيك شفرته البشرية ..وها أن جهاز التلقي عندها يلقط الكلمات ويفقه معانيها ..تأملي وجهك في  الصفحة أحبّي نفسك فأنت جديرة بالمحبة...وفجأة هبت ريح حملت معها أوراق كتاب قديم ممزق تبعثرت في كل مكان..فالتصقت بوجهها صفحة ثائرة مع الريح منعت عنها النظر فيما عداها ..ثم اشتدت العاصفة فأحاطتها الورقة بذراعيها والتفت حولها وسجنتها في قرطاس أحكم قبضته وانكمش مانعا عنها التّنفس واستقبال النسيم فأسلمت الروح بين ثناياه واستسلمت لقدرها