zaila.com

 

برحيل الشاعر مغيث البوعناني ..

مدينة أصيلا تنعي حارس ذاكرتها الأمين

 

أسامة الزكاري

            فقدت مدينة أصيلا أحد أبرز رجالاتها الأفذاذ الذين طبعوا عطاءها الفكري والإبداعي لعقود النصف الثاني من القرن الماضي ومطلع القرن الحالي، كما فقدت علما أصيلا في حفظ ذاكرتها التاريخية الراهنة بفضل ما استطاع – من خلاله – تجميع تراكم غزير من المعطيات والوقائع والمحكيات التي تؤرخ لماضي المدينة العميق في تشعباته وفي تفرعاته وفي تفاصيله المختلفة، يتعلق الأمر بالشاعر والمربي مغيث عبد السلام البوعناني الذي فارق الحياة فجر يوم  الجمعة 8 شتنبر الجاري ( 2012 )، مخلفا لوعة كبيرة في نفوس كل معارفه وأصدقائه وكل من احتك به عن قرب أو أتيحت له فرص التعرف على عوالمه الخاصة والمميزة. لقد رحل الفقيد مغيث البوعناني، رحمه الله تعالى، بعد مسيرة طويلة في الاحتفاء بحميميات عالمه التي أثثت / وتؤثث فضاء معشوقته مدينة أصيلا بالكثير من عناصر الخصب والإبداع والجمال، مما جعله يتحول إلى عاشق صوفي فطري لجزئيات المكان ولتعبيراته المختلفة في وجوه الناس وفي تمظهرات الشواهد المادية. ويمكن المجازفة بالقول إن لا أحد – اليوم – يستطيع أن يستوعب أسس مدينة أصيلا العميقة مثلما كان يفعل المرحوم مغيث البوعناني، ولا أحد – اليوم – يستطيع أن يعيد تجميع شتات ذاكرة المدينة لمرحلة النصف الثاني من القرن 20 مثلما كان يفعل المرحوم البوعناني في محكياته اللامتناهية، بل ولا أحد يستطيع أن يفرز هذه الجرعات الهائلة من الحب لأسوار أصيلا ولأزقتها ولأضرحتها ولمعالمها المكانية والبشرية مثلما كان يفعل المرحوم البوعناني إلى آخر يوم من عمره. لكل ذلك، فقد حق علينا وصفه بالحارس الأمين للذاكرة المحلية للمدينة ووجها مميزا من وجوه هويتها الثقافية الأصيلة .. هوية ثقافية لم تتلون ببريق التغطيات الإعلامية الفاقعة ولا بجاذبية تيارات التسطيح الثقافي ولا بتهافت المعارك الدونكشوتية ولا بمكر دوائر الأحقاد الصغيرة، بقدر ما أنها ظلت تخلص في الإنصات لعزلتها وفي الانتشاء برحابة هذه العزلة وبعوالمها الواسعة الكامنة خلف ضوضاء الإثارة وضجيج النجومية المفتعلة تحت يافطات متعددة وبتسميات مختلفة. فهو الشاعر المبدع، والمفكر المثقف الذي قرن اسمه باسم مدينته في زواج كاثوليكي لا انفصام بين أواصره، بشكل ظهرت تعبيراته في الكثير من نصوصه الشعرية وفي إنتاجاته الإبداعية، سواء منها تلك التي عرفت طريقها إلى النور أو تلك التي لازالت مخطوطة داخل مكتبته الخاصة.