معالم من ذاكرة جمعية قدماء الإمام الأصيلي :

" مجلة اللقاء "

أسامة الزكاري

         استطاعت جمعية قدماء تلاميذ ثانوية الإمام الأصيلي بمدينة أصيلا أن تتحول إلى ذاكرة جماعية للأجيال الراهنة، ليس فقط بالنظر لحضورها الثقافي الوازن داخل المشهد الجمعوي الوطني منذ نهاية ستينيات القرن الماضي وإلى يومنا هذا، ولكن – كذلك – بالنظر لقدرتها على تطوير أدوات فعلها الهادف داخل محيطها المحلي الضيق، لكي تنجح في استقطاب قطاعات عريضة من أجيال العقود الزمنية الأخيرة بالمدينة، محققة التفافا واسعا نادرا ما تحقق لمثيلاتها من الجمعيات الثقافية الفاعلة على امتداد خريطة الوطن. لقد تحولت هذه الجمعية إلى مدرسة قائمة الذات، اشتغلت في ظل إكراهات مثبطة مرتبطة بالظروف العامة التي كان يعرفها المغرب خلال النصف الثاني من القرن 20، وفي ظل واقع محلي ظل يصر على حجب جميع الأصوات المبادرة التي اختارت لنفسها طريق التميز والتأصيل للقيم الثقافية النبيلة، ولمعالم الانتماء للهوية الأصيلة للمدينة، حسب ما تلاقح على امتداد فترات زمنية طويلة. ورغم أن زعيق العمل الموسمي ظل يغطي على المشهد الثقافي المحلي خلال فترة محددة من فترات السنة، مستفيدا من وقع التغطيات الإعلامية الواسعة، ومن تأثير التعبئة الشاملة، فقد استطاعت الجمعية أن تحافظ على نهجها في التواصل مع شرائح المجتمع الأصيلي، وفق رؤى عميقة تركز على الاشتغال المتأني الذي يغطي كل فصول السنة، ويتواصل مع مختلف فئات السكان، ويبحث في التفاصيل والجزئيات التي ترصص معالم التميز في الأداء وفي الخلق وفي المبادرة وفي الإنصات لنبض روح المدينة، بهدف قراءة صورتها الذاتية في تفردها وفي خصوصياتها، ثم للبحث عن أشكال تأسيسية للتواصل مع المحيط الثقافي الوطني والدولي وللتأثير فيه وللتأثر به. إنها مدرسة جمعوية أصيلة، استطاعت أن تقف في  وجه كل العوادي، وأن تشرع الأبواب أمام قيم بديلة في الإبداع وفي العطاء، قيم العمل التطوعي النبيل، وقيم التسلح بالحس النقدي المؤسس للقراءات الراشدة لتحولات المشهد الثقافي المحلي والوطني في علاقته بالحاجيات الثقافية والفكرية والفنية للناس، وبضرورات استيعاب خطى إبدالات السياقات الوطنية المؤثرة في كل مناحي واقعنا المجتمعي. لقد استطاعت الجمعية أن تؤسس لأشكال متقدمة في التأصيل لقيم الديمقراطية والحداثة وحقوق الإنسان واحترام الآخر ترسيخ أسس الحق في الاختلاف، وجسدت ذلك في عملها التواصلي اليومي الذي – على الرغم من كل تعثراته التي تبقى شيئا طبيعيا في سياق العمل المبادر -، يؤرخ لمسار الجمعية منذ ميلادها إلى الآن. ونكاد نجزم أن تجربة جمعية قدماء تلاميذ ثانوية الإمام الأصيلي قد اكتست الكثير من عناصر السبق والتفرد،  ضمنت لها احترام محيطها المحلي والوطني، وضمنت لها استمرارية فريدة من نوعها نكاد لا نجد لها مثيلا داخل الحقل الجمعوي المغربي المعاصر، باستثناء بعض الحالات القليلة والنادرة الموزعة هنا وهناك.

         وإذا كنا لا ننوي – في هذا المقام – التأريخ لمسار هذه الجمعية الرائدة، ولا تتبع دواليب عملها اليومي، فإننا نكتفي بتقديم إحدى مبادراتها التواصلية المتميزة التي عرفت النور خلال ثمانينيات القرن الماضي، إيمانا منا بأن الأمر يتعلق بذاكرة جماعية تستحق أن تكون موضوعا مركزيا للدراسة وللتوثيق. فالقيمة الاعتبارية لهذه الذاكرة، جعلت تاريخ الجمعية يتحول إلى تاريخ لخصوصيات تطور العمل الثقافي بالمدينة، في مخاضاته التأسيسية، وفي تقلبات مراحله المميزة، وفي تدافع رؤاه ومواقفه ومبادراته، بتعدد الفاعلين فيه وبتشعب أدوار المؤثرين في مجالاته. ونظرا لهذه الميزة الفريدة التي اختصت بها جمعية قدماء تلاميذ ثانوية الإمام الأصيلي داخل وسطها الثقافي المحلي، فإن عمليات البحث في وثائقها وتجميعها  وتصنيفها ودراستها، تظل أمورا محورية في كل جهود التأريخ لتطور المشهد الثقافي المحلي، في تكامل مع جهود البحث في تراث المبادرات الأخرى التي بلورتها جمعيات ثقافية أخرى اشتغلت برؤى وبمنطلقات مختلفة عن تلك التي أسست لها جمعية قدماء الإمام الأصيلي. وفي سياق هذا الانشغال  التوثيقي، يندرج اهتمامنا بتقديم العدد الأول من مجلة " اللقاء " التي أصدرتها الجمعية خلال شهر فبراير من سنة 1986، كمشروع يجسد مجمل الاهتمامات الثقافية لجيل من الباحثين والمثقفين الذين بصموا – بعملهم وباهتماماتهم – أداء الجمعية في فترة تحول تاريخي حاسم بالنسبة لمجمل مكونات الثقافة المغربية المعاصرة. ولقد جسدت الجمعية السقف العام لهذا التحول عندما كتبت في تقديمها للعدد الأول من مجلة " اللقاء " ما يلي : " خطوة أخرى تنضاف إلى تجربتنا المتواضعة، خطوة أخرى نراها اليوم تتقدم إلينا وهي تلامس أرض جزيرتنا باحثة لنفسها عن مكان يضمن لها النمو والاكتمال والتجذر ... نتوقف قليلا عن الكتابة، نساءل أنفسنا ونقول : هل من الضروري أن نستمر في  صياغة هذا التقديم ؟ هل يكون ضروريا أن نقتفي بالعادة التي تريد أن يضمن العدد الأول من كل مطبوع بيانا واضحا لتصوره وآفاقه ؟ ألا تعتقدون أن في الأمر بعض النرجسية الحالمة ؟ ... هي أسئلة تحتم علينا أن نصارح أنفسنا : لماذا لا نترك هذا العدد الأول من الفصلية المنشودة يقدم نفسه بنفسه ؟ لماذا ننزع عنه حقه في التعبير عن ذاته ؟ فلندعه يتحدث عن عيوبه ونواقصه، لنتركه يحكي ظروف ولادته العسيرة ويؤشر بالمناسبة عن حظوظ نموه واستمراره. نعم، لا يحتاج هذا العدد لأي تقديم، لأنه كيفما كان هذا التقديم سوف لن يكون في تعبيره  أبلغ من هذا الشيء الذي نحاول تقديمه ... إليكم هذا العدد، وكم نتمنى للأعداد القادمة ولادة أقل عسرا، فيتم هذا العدد شيء لا نريد له أن يطول ويزمن " ( ص. 1 ).

         تتوزع مضامين هذا العدد عبر أبواب متعددة، حاولت اختزال مجموع الانشغالات الثقافية والفكرية لأطر الجمعية خلال مرحلة ثمانينات القرن 20. فبعد الكلمة التقديمية للمكتب الإداري، وفي باب " دراسات "، نجد دراسة لمفضل بنحليمة حول ظاهرة التقليد في الشعر المغربي خلال فترة الحماية، وأخرى لعبد الخالق العروسي في شكل بحث في النسق المعماري في رواية " اليتيم " حسب تراكم الدراسات النقدية لنجيب العوفي، وثالثة لعبد السلام مرون حول الحضور البريشتي  في المسرح المغربي. وفي باب " شعر "، أدرجت المجلة نصا لمحمد الجباري تحت عنوان " قرارة الشجر "، وآخر لأحمد هاشم الريسوني تحت عنوان " ليلى "، وثالث لشفيق الإدريسي عنوانه " وحدها تسكن كل الدروب ". وفي باب " تشكيل "، نشرت المجلة نصا تأمليا عميقا في أحد معارض الفنان خليل غريب كانت الجمعية قد أشرفت عليه في إطار تنظيمها لسلسلة من المعارض لفنانين محليين، كتبه الراحل إدمون عمران المالح تحت عنوان " شاعرية الفضاء ".

         وفي باب " حوار "، التقت المجلة مع الفاعل الجمعوي العربي أمزغار باعتباره أحد قيدومي الجمعية الذين واكبوا مساراتها وشاركوا في دعم توجهاتها منذ ميلادها عند نهاية ستينيات القرن 20. وفي آخر أبواب المجلة والمعنون ب " وثيقة "، نشرت المجلة نص قانونها الأساسي، ثم بيان توضيحي حول تأجيل لقائها الثقافي العاشر الذي كان من المزمع تنظيمه خلال فترة ما بين 12 و17 يوليوز من سنة 1985، حول موضوع " الأبيسية في الثقافة المغربية ".

         هذه هي مجموع مواد العدد الأول من مجلة " اللقاء "، وهي تسمح بتقييم الجهد الكبير الذي سعت من خلاله جمعية قدماء تلاميذ ثانوية الإمام الأصيلي لاختراق سوق النشر الثقافي الوطني وللبحث عن آفاق جديدة لتجاوز إكراهات العمل الثقافي التطوعي، عبر مبادرات مجددة كان الرهان عليها كبيرا من أجل تطوير الأداء وترسيخ الرؤية وتخصيب التجربة. ورغم أن الجمعية كانت عازمة على الاستمرار في مواكبة إصدار أعداد متلاحقة من مجلة " اللقاء "، فإن مسعاها هذا قد ظل حبيس العدد الأول اليتيم، إذ لم تستطع المكاتب الإدارية المتلاحقة أن تتابع المسار، بالنظر للصعوبات الذاتية والموضوعية التي ظلت تعتري سوق النشر  والتلقي الثقافيين ببلادنا. ومع ذلك، فقيمة العدد الأول أصبحت جوهرية في كل أشكال التوثيق لتجربة جمعية قدماء تلاميذ ثانية الإمام الأصيلي، بل ولتقييم جل المبادرات الثقافية الجمعوية الهادفة التي استطاعت أن تتجاوز وقع ضجيج " الثقافة العابرة للقارات "، وأن تبحث عن متنفس للعطاء الخصب والمتجدد، فاكتسبت – بذلك – الشروط الأساسية للتميز وللترسخ وللامتداد في الزمن، ماضيا وحاضرا ومستقبلا.

 

                                  غلاف المجلة

 

 

 

 

. Ousama Zougari