أزمة المثقف في الخطاب النقدي المغربي المعاصر

يحيى بن الوليد


من الجلي إذن أن أزمة المثقف -في الخطاب النقدي الذي هو جزء من الواقع الثقافي- تعود إلى الدولة بما ترسمه للجامعة والثقافة، مثلما تعود إلى القوى التي تهيمن على الصحافة المكتوبة وتعتبر نفسها ديمقراطية. لكن تجدر الإشارة هنا إلى أن المثقف ساهم بدوره في هذه الأزمة، لقد انبهر بالمناهج اللسانية والبنيوية والسيميائية، وساعدته على ذلك الجامعة والصحافة التي فتحت له صفحاتها. وكم من ناقد (ومفكر وشاعر) كان من قبل "إيديولوجيا" فانقلب إلى التبشير بالمناهج الجديدة، والواقع أن مثل هذه المناهج تضمن لأصحابها "وضعا مريحا". والانبهار بالمناهج هو الذي يفسر لنا في أحيان كثيرة "سطحية الفهم" و "عشوائية المنظور" في الكثير من الدراسات التي كان المقصود منها هو المنهج في حد ذاته، أما النص فلم يستخدم إلا كمطية للبرهنة على صحة المنهج. وفي فترة غير بعيدة توجه أكثر من دارس إلى النصوص الروائية المشرقية بشكل خاص - طالما أنها تسعف في تطبيق المناهج بمفاهيمها ورسوماتها الساحرة. إن العملية لا تدخل هنا في إطار ما يسميه الأستاذ محمد عابد الجابري ب"التبيئة" و "التأصيل الثقافي" للمفاهيم، وإنما هي تدخل في إطار "صمنية" المنهج التي تشرحها عبارة: (المنهج ولا شيء غير المنهج). وكأن المنهج هنا عبارة عن "ديانة"، ولقد قيل في فترة سابقة عن البنيوية بأنها "ديانة" وطريقة تعامل نقادنا معها وقتذاك تؤكد هذه الفكرة. والوجه الآخر لمشكل التطبيق هو انحسار الخطاب النقدي في الجامعة بين الطلاب والمريدين. ولهذا يبدو "الدور الكلاسيكي" للناقد أجدى بكثير من دور القراءات الموغلة في الجهاز النظري للمناهج وبشكل جاهز ومسبق، لكن شريطة أن يستند هذا الدور الكلاسيكي إلى ما كان يسميه محمد مندور ب" الإخلاص للأدب" الذي أصبحنا نفتقد إليه بسبب الجو السياسي الملوث الذي أفسد الثقافة والمعرفة.
وحتى الآن فإننا لا نقلل من أهمية المنهج / المناهج في خطابنا النقدي المغربي المعاصر بل إنه لا يمكن لأي خطاب (نقدي) أن لا يستند إلى منهج تضبطه مفاهيم متناسقة وإلا تحول إلى مجرد "إنشاء" ومن هنا لا يمكن الدخول في علاقة مع النص بقدر ما لا يمكنه التدخل فيه خصوصا وأنه تدخل غير حاسم، ثم إن مثل هذا التدخل تسمح به "المعرفة الإيديولوجية" التي تسند النصوص. لكن ما يمكن التأكيد عليه هناهو أنه في عمق المنهج ينبغي أن تكمن رؤية تعكس ذاك الناقد غير المشدود إلى - ما يسميه علي حرب- "طوبى التطبيق". المنهج ليس مجرد تطبيق فحسب كما يتضح في الكثير من الكتابات وخاصة الأبحاث الجامعية، هو تخليق وتشكيل وتأصيل وهو نظرة كامنة في عمق التحليل والتركيب. فالعلاقة التي يقيمها النقد مع المنهج علاقة معقدة الأطراف وليست علاقة سهلة، وغياب الوعي بالمستندات التصورية والأسس النظرية للمناهج يؤدي حتما إلى "كهربة" العلاقة الممكنة للخطاب النقدي مع الأدب. والمشكل كذلك ليس في الأكاديمية على إطلاقها، وإنما في فهم معين لها -الفهم الذي يعزلها عن التاريخ والمجتمع بعد أن يحصرها في أفق مجرد. إن المنهج لا معنى له إذا لم يستند إلى رؤية الناقد- المثقف الذي يعي جيدا الأسئلة التي يفرضها السياق التاريخي، وهي أسئلة كبرى وتستلزم المواجهة بمعناها العميق- المواجهة القائمة على هدأة العقل النقدي وقيم الخيال الرمزي. النقد الأدبي جزء من الصراع الثقافي بكل ما يعتمل بدواخله من رؤى ولغات وقناعات واختيارات. والأدب -في عمقه- سؤال ثقافي، غير أنه سؤال انسيابي ومخالف من ثم لأسئلة الأنماط الثقافية الأخرى. والناقد الذي لا يلتفت إلى الأفق الثقافي للأدب غالبا ما يساهم في تأثيث الفراغ التاريخي والثقافي… وهو ما يساهم في التمهيد لدعاوي الأصولية والاستقطاب وأسلمة الآداب والفنون، وهل من الغريب أن تكون بعض القراءات "المتأسلمة" قد بدأت تبحث عن موقع لها في خطابنا النقدي والثقافي.
حتى الآن تكون قد اتضحت لنا العلاقة القائمة بين الناقد والمثقف وأنها ليست علاقة وهمية أو شكلية. إن الناقد لا يمكنه الانفصال عن المثقف، بكلام آخر: إن المثقف يكمن في قلب الناقد لكن دون أن يغطي على نشاطه المتمثل تحديدا في دراسة الأدب وفحص نصوصه. وهذه العلاقة جديرة بأن تمنح هذا الأخير بعد التجذر والفاعلية وبالتالي وصل الأدب ب "نار الأسئلة" التي تلوي بالمرحلة التاريخية. فالناقد يمكنه المجابهة على الجبهة التي تعانق الأفق التاريخي للثقافة مثلما تؤكد حضوره الفاعل أمام أشكال التبرير والتأجيل والسلطة والإجماع… إننا لا نتصور الدور الذي يمكن للأدب الاضطلاع به من هذه الناحية لكن في حدود الوعي بأساسه المعرفي والجمالي، وهو أساس كفيل بأن يميزه عن سائر الحقول المعرفية الأخرى ذات الصلة بأحوال الفرد ومشكلات الناس والمجتمع. هذا عدا أننا لا نعدم الصلة التي يمكنها أن تصل الأدب بهذه الحقول بل إن هذه الصلة هي التي تقويه وتمنحه بعد الالتباس بالأشياء التي يحاول استيعابها. والأدب لا يمكنه أن يكتسي دلالاته العميقة إلا من خلال الإفادة من هذه الحقول لكن شريطة أن يجيد توظيفها وشريطة مراعاة الدلالة الأدبية ومن حيث هي دلالة مراوغة ومشرعة عل فعل القراءة التي تجدد الإبداع والإنسان في آن. والأدب ليس مجرد حذلقة لغوية ولعب بألفاظ وافتعال رؤى، هو على العكس من ذلك دفق لغوي وجرح مفردات واتساق تراكيب وطغيان حاسة أو حواس… وهو كذلك نسيج لغوي يخترق النص الثقافي العام وعلى نحو تتخلق بموجبه رؤى وعوالم تعري أقنعة العلائق الاجتماعية الموبوءة وتنطق المسكوت عنه وتكشف عن المنفلت القصي والمجنوء العفن. وهنا يظهر دور الناقد المثقف في تركيزه على كل ما يظل في حاجة إلى الكشف وفي تركيزه كذلك على النصوص التي تراوغ الحكام وأهل السلطة-السلطة التي لا وجود لها أحيانا وإنما يتم ابتكارها وإلصاقها بالشخوص أو "الكائنات الورقية" على حد تعبير الناقد الفرنسي رولان بارت. وكذلك السخرية التي تؤكد الحضور الفاعل للمبدع في قلب الحراك الاجتماعي، السخرية التي تدعمها التجربة الكتابية حيث خمرة المفردات تفعل فعلها في تدفق العبارات والتراكيب. هذا بالإضافة إلى خطاب الهامش حيث المتمردون على السلطة من المنسيين والمنبوذين والمتلصصين والخارجين على النظام، فهؤلاء بدورهم يساهمون في التاريخ. وهناك خطابات أخرى يستوعبها الإبداع مثل المكبوت والجسد والحلم واللاوعي… ولما نشير إلى هذه الخطابات - التي لا تزال غير حاضرة بقوة في خطابنا النقدي - نريد التأكيد على الأفق الثقافي للأدب ومن حيث هو أفق للحرية والمتخيل والمحتمل والإبداع.
وهنا تطرح مشكلة علاقة الناقد بالأديب، وهي مناسبة لكي نؤكد بأنه لا وجود لأسطورة الناقد أي ذاك الناقد الذي يصنع الأديب. إن النظرة الأولى في الخطاب النقدي العالمي جديرة بأن تتبث لنا أنه وراء أكثر من ناقد كبير كان هناك مبدع كبير… وفي هذا السياق حضر نجيب محفوظ الكثير من النقاد على الكتابة عن رواياته والأكثر من ذلك بمناهج وتصورات مختلفة. ومن هذه الناحية تطرح أسئلة كثيرة على الأدب المغربي الذي يكتب في وقتنا الحاضر، فالنصوص تتناول المواضيع بأشكال تبدو جاهزة هذا عدا الافتعال الذي يطال بعض النصوص… المطلوب هو نصوص تعكس تجارب حقيقية في دنيا الكتابة -اللغة، نصوص لا تتوقف عوالمها بمجرد الانتهاء من قراءتها وتقيم علاقات مع النص الثقافي العام حيث تصادم اللغات وتناسل الأسئلة وتوالد الرؤى وحيث العوالم التي تريد الارتقاء بالإنسان من الضرورة إلى الحرية من الصمت إلى الصدى ومن المسايرة إلى التمرد… خطابنا النقدي لا يزال مشغولا بتطبيق المناهج بل إن نصوصا روائية وظفت الخطابات "الميتاروائية" وكأنها بذلك ستقلب تربة الإبداع وبالتالي تنال رضى النقاد.
ختاما فالناقد لا يمكن أن يكتسي أهميته إلا من خلال تصور ثقافي وحداثي للأدب. وهناك علاقة وطيدة تصل ما بين الناقد والمثقف بل إن هذه العلاقة هي التي تمنح الخطاب النقدي بعد التجذر في الخطاب الثقافي بعامة، وبالتالي الإسهام في محاولة استجلاء الأسئلة الكبرى التي تستاثر بالمرحلة التاريخية… لكن دون التضحية بالأدب الذي هو في الأساس تجربة في /بالكتابة واللغة.

. Yahya Ben Al Walid