



zaïla.AbdesArt
الشويخ عبدالسلام
CULTURE LOCALE
TOURISME LOCAL

أصيلة: قراءة نقدية في تاريخ الفنون بين الذاكرة والخيال الإبداعي
قراءة نقدية: عبدالسلام الشويخ – ناقد فني, فرنسا
يشكّل كتاب أسامة الزكاري «بين التاريخ وظلال الإبداع.. سحر المتخيل في فضاءات أصيلة» إضافة نوعية إلى حقل الدراسات المرتبطة بتاريخ الفنون المحلية بمدينة أصيلة، إذ يتجاوز منطق التوثيق التقليدي نحو مقاربة تحليلية تأويلية، تسعى إلى فهم المسارات العميقة لتشكل الإبداع داخل هذا الفضاء الثقافي المتميز.
يتميز هذا العمل بكونه لا يتعامل مع الإنتاجات الفنية كأحداث معزولة، بل كجزء من بنية ثقافية ممتدة، تتقاطع فيها الذاكرة الجماعية مع التحولات الاجتماعية والاقتصادية، ومع ديناميات التخييل الفني التي تمنح للمدينة هويتها البصرية المتجددة. ومن هنا، فإن قيمة الكتاب تكمن في قدرته على إعادة بناء سردية تاريخية للفن المحلي، تُقرأ من الداخل، لا من الخارج.
وفي هذا السياق، يمكن وضع هذا العمل ضمن تقاليد الفكر النقدي الفرنسي في تاريخ الفن، حيث لا يُنظر إلى العمل الفني كموضوع جمالي فقط، بل كبنية دلالية مرتبطة بالسياق. وهو ما نجده عند أندريه شاستل في مقاربته للخيال الفني كقوة منتجة للمعنى، وعند بيير فرانكاستل الذي أسس لرؤية تعتبر الفن انعكاسًا للبنى الاجتماعية داخل الفضاء الحضري، إضافة إلى هنري فوسيون الذي أكد على حيوية الشكل وقدرته على التحول المستمر داخل الزمن التاريخي.
ومن هذا المنظور، يبرز أسامة الزكاري كـمؤرخ فاعل، يتميز بقدرة تحليلية دقيقة، ويقوم بتفكيك مختلف مكونات الإبداع المحلي بعين نقدية واعية، سواء تعلق الأمر بالفنون التشكيلية أو الأدب أو التحولات التاريخية للمدينة. فهو ليس فقط باحثًا في التاريخ، بل مؤرخًا أرشيفيًا للزمان والمكان داخل مدينة أصيلة، يعيد قراءة الذاكرة ويعيد ترتيبها وفق رؤية فكرية تحليلية عميقة.
وانطلاقًا من هذه المرجعيات، يقدم كتابه ما يمكن اعتباره “أركيولوجيا جمالية” لمدينة أصيلة، حيث يتم تفكيك الطبقات الإبداعية المتراكمة، وإعادة تركيبها ضمن رؤية نقدية تُبرز العلاقة بين الفنان والمدينة والذاكرة. إنها قراءة تجعل من الفن المحلي ليس مجرد إنتاج جمالي، بل خطابًا ثقافيًا يعكس تحولات المجتمع وتفاعلاته العميقة.
كما يبرز الكتاب أصيلة كفضاء ثقافي مفتوح، أشبه بـ“مختبر بصري حي”، تتداخل فيه التجارب الفنية وتتنوع فيه المقاربات الجمالية، مما يمنح المدينة طابعًا ديناميكيًا قائمًا على التعدد والتجديد المستمر.
ومن هذا المنظور، فإن هذا العمل لا يكتفي بتوثيق تاريخ الفنون بأصيلة، بل يعيد التفكير فيه نقديًا، مؤسسًا لقراءة جديدة تجعل من الإبداع المحلي جزءًا من تاريخ الفن المتوسطي والعالمي، وتفتح المجال أمام مقاربات مستقبلية أكثر عمقًا في فهم العلاقة بين الفن والمدينة والذاكرة.
«وجوه بريئة: تأملات وجودية في الهوية المجهولة»
تُجسّد صورة غلاف الكتاب عمل الفنان التشكيلي والأستاذ في الفنون البصرية الشويخ عبدالسلام المقيم في فرنسا، والذي يحمل عنوان «وجوه بريئة». وهو عمل فني يكشف عن رؤية وجودية تتجلى على سطح اللوحات كأنها حياة ثانية قادمة من مكان بعيد، تتخذ شكل وجوه مجهولة تحمل في الغالب مشاعر غامضة وغير مألوفة، وتفرض حضورها داخل التكوين التشكيلي بقوة وهدوء في آن واحد.
هذه الوجوه تدفع الفنان إلى التساؤل حول هويتها الحقيقية، وكأنها كيانات تبحث عن معنى لوجودها داخل فضاء اللوحة وخارجها.
إن هذا العمل يستند إلى الفلسفة بوصفها فعلاً تأملياً يتجه نحو المجهول الإنساني، في انسجام عميق بين الإنسان وبيئته الشعورية والوجودية، حيث يتحول الفن إلى سؤال مفتوح عن الذات والعالم والمعنى.

